الشيخ محمد رشيد رضا
19
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي لا تعرفهم أيها الرسول بفطنتك ودقة فراستك التي تنظر فيها بنور اللّه لحذقهم في التقية وتجنب مثارات الشبهة ، وأكد هذا النفي باثبات العلم بأعيانهم له وحده عز وجل ، ولعلهم أخفى نفاقا وأشد تقية ممن قال فيهم ( 47 : 28 أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ ( 29 ) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) فهؤلاء ممن لم يعلمه اللّه بأعيانهم كما أعلمه بمن أشير إليهم في الآية [ 74 ] ولا فضحهم بأقوال قالوها ولا بافعال فعلوها كما فضح غيرهم في هذه السورة ، لأنهم بمرودهم على النفاق يتحامون ما يكون شبهة على إيمانهم ، فضرره قاصر عليهم ، وحكمة اخباره تعالى إياه بذلك أن يعلموا هم ان اللّه عليم بما يسرون من نفاقهم ، ويحذروا ان يفضحهم كما فضح غيرهم ، ليتوب المستعد للايمان منهم وهو في ستر اللّه تعالى قبل أن ينجز ما أوعدهم بقوله سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ أي في الحياة الدنيا إحداهما ما يصيبهم من المصائب وتوبيخ الضمائر ، وانتظار الفضيحة بهتك استار السرائر ، وما يتلو ذلك من جهادهم إذا ظهر نفاقهم كغيرهم ، والثانية آلام الموت وزهوق أنفسهم وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم ، فأقرب ما يفسر به العذاب مرتين هو ما تقدم في تفسير الآيات 55 و 73 و 74 و 82 و 83 ففيه بيان لكل ما يصيب المنافقين في الدنيا من عذاب الوجدان الباطن ، وعذاب من يفتضح أمرهم في الظاهر ، وورد في التفسير المأثور أقوال في هاتين المرتين يعضها في معنى ما ذكرنا وبعضها مردود ومتناقض . ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ أي في الآخرة وهو عذاب جهنم ، وهم في الدرك الأسفل منها كما تقدم . جاء في كتب التفسير المأثور ان رسول اللّه ( ص ) خطب الناس مرة فحمد اللّه واثني عليه ثم قال « ان منكم منافقين فمن سميته فليقم » ثم قال قم يا فلان - حتى سمى 36 رجلا ، فان صح فهو عدد الذين سبق تهديدهم في هذه السورة لظهور نفاقهم دون الذين مردوا على النفاق ، ولكن لم يرو لنا ما كان من امر هؤلاء بعد هذه الفضيحة بكفرهم ومنعهم من الصلاة ، ومقتضاه ان تجري عليهم احكام المرتدين ، ومثل هذا لا يخفى وتتوفر الدواعي على نقله بالتواتر أو الاستفاضة ولم يرو